ابن أبي الحديد
92
شرح نهج البلاغة
وقال رجل من بنى هلال لبنيه : يا بنى اظهروا النسك فإن الناس إن رأوا من أحد منكم بخلا ، قالوا : مقتصد لا يحب الاسراف ، وإن رأوا عيا ، قالوا : متوق يكره الكلام ، وإن رأوا جبنا قالوا : متحرج يكره الاقدام على الشبهات . الفصل الخامس : قوله : ونعم القرين الرضا " ، قد سبق منا قول مقنع في الرضا . وقال أبو عمرو بن العلاء : دفعت إلى أرض مجدبة بها نفر من الاعراب ، فقلت لبعضهم : ما أرضكم هذه ؟ قال : كما ترى ، لا زرع ولا ضرع ، قلت فكيف تعيشون ؟ قالوا : نحترش ( 1 ) الضباب ، ونصيد الدواب ، قلت : فكيف صبركم على ذلك ؟ قالوا : يا هذا ، سل خالق الخلق ، هل سويت ؟ فقال : بل رضيت . وكان يقال : من سخط القضاء طاح ومن رضى به استراح . وكان يقال : عليك بالرضا ، ولو قلبت على جمر الغضا . وفي الخبر المرفوع أنه ( صلى الله عليه وآله ) قال عن الله تعالى : " من لم يرض بقضائي فليتخذ ربا سوائي " .
--> ( 1 ) في اللسان : " حرش الضب يحرشه حرشا ، واحترشه وتحرش وتحر عربه : أتى قفا جحره فقعقع بعصاه عليه وأتلج طرفها في حجره فإذا سمع الصوت حسبه دابة تريد أن تدخل عليه فجاء يزحل على رجليه وعجزه مقاتلا ويضرب بذنبه فناهزه الرجل فأخذ بذنبه فضبب عليه - أي شد القبض - فلم يقدر أن يفيصه - أي يفلت منه " .